حين خلّد الله خطوات امرأة

IMG_20261024_124523_509

السعي…

ليس السعي مجرد كلمة تحفيزية نرددها كلما ضاقت بنا الحياة، ولا هو مجرد حركة نبذلها للوصول إلى ما نريد؛ بل هو معنى إيماني عميق، تتجلى فيه حقيقة التوكل على الله، والإيمان برحمته، واليقين بأن الأخذ بالأسباب لا يتعارض مع التسليم لقضائه، بل هو من تمام العبودية له.

ولعل أعظم ما يعلّمنا معنى السعي قصة السيدة هاجر، أم إسماعيل عليه السلام، وزوجة خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام؛ تلك المرأة التي تركها زوجها بأمر الله في وادٍ غير ذي زرع، لا أنيس فيه ولا ماء، ولا ترى فيه أسباب الحياة التي تطمئن إليها النفوس. وحين سألته: «آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟»، فأجابها بنعم، قالت بقلبٍ امتلأ يقينًا: «إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا».

يا لعمق هذا الإيمان! لم تكن هاجر ترى أمامها ماءً، ولا طعامًا، ولا مخرجًا قريبًا، لكنها كانت ترى وعد الله فوق كل ما تراه عيناها. ومع ذلك، لم تجلس تنتظر الفرج دون أن تتحرك، ولم تجعل يقينها بالله سببًا لترك الأسباب؛ بل حين نفد الماء، واشتد العطش على طفلها إسماعيل عليه السلام، وأخذ يتلوّى من الظمأ، لم تستسلم لعجزها، ولم تقف عند حدود خوفها، بل انطلقت تسعى بين الصفا والمروة، تصعد هذا الجبل وتنزل ذاك، وتبحث بعين الأم وقلب المؤمن عن قطرة ماء تُنقذ بها صغيرها.

سبعة أشواط من السعي، بين جبلين، في وادٍ موحش، وقلب أمٍّ معلّق برحمة الله. لم تكن تعلم أين سيكون الفرج، ولا متى سيأتي، لكنها كانت تسعى، وكأن حالها يقول: إن كنت أؤمن بأن الله لن يضيّعني، فعليّ أن أبذل ما أستطيع، وأترك ما لا أستطيع لمن بيده كل شيء.

ثم جاء الفرج من حيث لم تحتسب؛ فجّر الله ماء زمزم عند قدمي إسماعيل عليه السلام، بعد أن سعت أمه تبحث عن الماء في أعالي الجبال. لم يأتِها الفرج في المكان الذي كانت تبحث فيه، ولم تكن تعرف أن الماء سيخرج عند قدمي طفلها، لكن الله أراد أن يعلّم البشرية درسًا خالدًا: قد تسعى في طريق، ويأتيك الفرج من طريق آخر، وقد لا ترى ثمرة خطواتك في اللحظة التي تخطوها فيها، لكن هذا لا يعني أن سعيك قد ضاع.

ولأن الله يعلم عظمة ما فعلته هاجر، لم تبقَ خطواتها حكايةً تُروى عن أمٍّ عطشى فحسب، بل جعل سعيها شعيرةً من شعائر الحج والعمرة، يتعبد بها المسلمون إلى قيام الساعة. قال تعالى:

﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ البقرة: 158.

تأملوا عظمة التكريم الإلهي؛ امرأةٌ وحيدة في صحراء قاحلة، تسعى لإنقاذ طفلها، فخلّد الله سعيها في عبادة يؤديها الملايين من عباده عبر القرون. لم يكن سعيها ضائعًا في نظر الله، ولم تكن خطواتها مجرد حركة بين جبلين، بل أصبحت درسًا للأجيال في الصبر، والتوكل، والأخذ بالأسباب، وحسن الظن بالله.

وهنا نفهم أن التوكل ليس أن تجلس حيث أنت وتنتظر أن تتغير حياتك، بل أن تسعى بكل ما تملك، وقلبك مطمئن بأن التدبير لله وحده. وأن الإيمان لا يعني ألّا تخاف، بل أن تتحرك رغم خوفك؛ ولا يعني أن تعرف كيف سيأتي الفرج، بل أن تثق بأن رحمة الله أوسع من ضيق الطريق، وأن أبواب رزقه لا تنحصر في الأسباب التي تعرفها.

فكم من إنسان يسعى اليوم بين جبال الحياة، يبحث عن عمل، أو باب رزق، أو فرصة سفر، أو شفاء، أو استقرار، أو حلم طال انتظاره. يسعى مرةً بعد مرة، ويعود من محاولاته وكأن شيئًا لم يتغير، حتى يبدأ الشك يتسلل إلى قلبه، ويتساءل: إلى متى؟

ولعل قصة هاجر تهمس في قلب كل متعب: لا تجعل تأخر الفرج دليلًا على غياب رحمة الله، ولا تجعل عدم رؤيتك للنتيجة سببًا للتوقف عن السعي. أنت لا تعلم أي خطوة ستكون بداية الفرج، ولا من أي جهة سيأتيك رزقك، ولا أي باب سيُفتح بعد أبواب أُغلقت في وجهك.

لكن تذكّر أن السعي عبادة حين تصح النية، وأن الصبر ليس استسلامًا، وأن التوكل ليس تواكلًا، وأن الأمل الحقيقي ليس أن تضمن الوصول، بل أن تمضي في طريقك وأنت تحسن الظن بالله.

لقد سعت هاجر بحثًا عن الماء، فخلّد الله سعيها شعيرةً تُؤدّى إلى يوم القيامة.

فلا تحتقر خطوةً تخطوها في سبيل رزقك، ولا دمعةً تذرفها وأنت تدعو، ولا بابًا تطرقه بالحلال، ولا محاولةً تبدأها من جديد بعد الخذلان. قد لا تكون أنت من يختار موعد الفرج، لكنك تستطيع أن تختار ألّا تيأس من رحمة الله.

اسعَ كما سعت هاجر، وتوكّل كما توكّلت هاجر، وأحسن الظن بربّ هاجر.

فربُّ الذي فجّر زمزم في وادٍ غير ذي زرع، قادرٌ على أن يُخرج لك من ضيقك سعةً، ومن حيرتك هدايةً، ومن طريقٍ ظننته مسدودًا بابًا لم يخطر لك على بال.

وليس معنى ذلك أن كل ما نطلبه سيأتينا بالصورة التي نريدها، بل أن المؤمن يسعى، ويدعو، ويصبر، ثم يرضى بحكمة الله؛ لأن الله يعلم ما لا نعلم، ويدبّر الأمر برحمته وعلمه.

فامضِ في سعيك، ولا تجعل عينيك أسيرتين لما تراه الآن؛ فهاجر لم تكن ترى زمزم وهي تسعى، لكن الله كان يدبّر لها الفرج.

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة