
حين كانت الممالك تُبنى بالحكمة قبل الحجارة، ويمتد سلطان الملك بقدر عدله لا بقدر سيوفه، قامت مملكة لم يعرف التاريخ لها شبيهًا.
لم تكن أجمل الممالك لأن قصورها من ذهب بل لأن الخوف لم يعرف طريقه إليها.
كان أهلها ينامون مطمئنين، ويستيقظون فلا يسألون من أين يأتي خبزهم، ولا كيف يستمر النور في شوارعهم، ولا من الذي يملأ مخازنهم كل صباح.
لقد وُلدوا، فوجدوا كل شيء معدًّا لهم لذلك اعتادوه والنعمة التي يعتادها الإنسان، كثيرًا ما يتوقف عن رؤيتها.
كان الملك يرى كل فرد من حاشيته باسمه، ويعلم حاجته قبل أن ينطق بها.
لم يكن يحتاج إلى حرس ليخاف منهم، ولا إلى ضرائب ليزداد غنى، ولا إلى مدحهم ليشعر بعظمته
كان كاملًا في ملكه…
أما هم، فكانوا فقراء إليه في كل لحظة، وإن لم يدركوا ذلك ولم يطلب منهم إلا عهدًا واحدًا.
قال لهم:
“هذه المملكة لكم تجولوا فيها كما شئتم وانتفعوا بكل ما فيها لكن لا تقتربوا من هذا الباب.”
لم يقل لهم لماذا ولم يكن محتاجًا أن يبرر لهم.
فالثقة بالملك كانت جزءًا من العهد.
وفي الأيام الأولى…
لم يفكر أحد في ذلك الباب.
إلى أن جاء غريب لم يكن يحمل سيفاٌ ولم يحاول كسر الباب ولم يدفع أحدًا إليه بالقوة.
بل وقف بجانبه، وقال بهدوء:
“أتعلم لماذا مُنعتم من هذا الباب؟”
هز الرجل رأسه.
ابتسم الغريب وقال:
“لأن الملك لا يريد لكم أن تصبحوا مثله.”
ثم أضاف:
“لو دخلتم منه، لما عرفتم الفناء، ولصار لكم ما ليس لغيركم.”
لم يكن الغريب يكذب كذبًا صريحًا…
بل كان ينتقي من الكلمات ما يجعل الكذب يشبه الحقيقة .
ولم يقل له: “ستندم.”
بل بدأ يزرع في قلبه سؤالًا لم يكن موجودًا من قبل
قال له بصوتٍ خافت:
“ألا يثير فضولك أن يمنعك الملك من بابٍ واحد، بينما ترك لك كل الأبواب الأخرى؟”
ظل الرجل صامتًا.
فأكمل الغريب حديثه:
“الملوك لا يمنعون شيئًا عبثًا… لا بد أن خلف هذا الباب سرًّا لا يريدك أن تعرفه.”
كان يعرف أن النفس البشرية لا تتحرك دائمًا بالشهوة…
بل قد تتحرك بالفضول.
وحين رأى أن الفضول بدأ يطرق قلب الرجل، لم يتوقف.
قال:
“أنا لا أدعوك إلى مخالفة الملك… أنا فقط أدعوك أن تعرف الحقيقة بنفسك.”
ثم اقترب أكثر، وخفّض صوته، وكأنه يخشى أن يسمعه أحد.
“أتعلم لماذا أغلق هذا الباب؟”
رفع الرجل رأسه.
قال الغريب:
“لأنك إذا فتحته… فلن تبقى كما أنت.”
توقف لحظة ثم ألقى آخر سهم
“ستصبح أعظم… وستملك ما لم تملكه من قبل.”
لم يكن الرجل يطمع في التمرد ولم يكن يحمل حقدًا على الملك بل كان يثق به، ويعيش في نعمته
لكن الغريب لم يهاجم تلك الثقة مباشرة.
بل جعلها تتزاحم مع وعدٍ آخر.
وما إن يتزاحم اليقين مع الوهم حتى تبدأ النفس بالاختبار.
وهنا كانت عبقرية الخداع.
لم يكن الغريب أقوى من الرجل.
ولم يكن يملك أن يجبره على شيء كل ما كان يملكه كلمات.
لكن الكلمات إذا لبست ثوب النصيحة، قد تصبح أخطر من السيوف
ولم يدرك الرجل، إلا بعد أن فتح الباب ان الغريب لم يكن قد أخفى عنه الطريق بل أخفى عنه الثمن
في لحظة واحدة تغير كل شيء لم تتغير المملكة بل تغيرت عين الرجل شعر بالخوف لاول مرة
ولأول مرة عرف معنى الندم.
ولأول مرة اكتشف أن أجمل النعم، هي تلك التي لا نشعر بقيمتها إلا بعد أن نفقدها.
وقف أمام الملك لا يحمل عذرًا ولا يبحث عن حجة.
كان يعلم أن الخطأ خطؤه.
وأن الغريب لم يجبره، وإنما زين له الطريق.
خفض رأسه، واعترف بزلته، وطلب الصفح.
وكان الملك…
كما عرفه دائمًا…
أرحم مما تخيل.
غفر له.
ولم يغلق في وجهه باب العودة.
لكنه قال له:
“ستغادر هذه الأرض التي كنت فيها، وستبدأ رحلة أخرى… رحلة تعرف فيها قيمة ما كنت تملكه.”
خرج الرجل…
لكن قلب الملك لم يخرج منه.
ظل يرسل إليه ما يحتاجه.
كل صباح.
يرسل له ما يقيم حياته، ويفتح له أبواب التوبة كلما عاد إليه.
ولم يقف إحسان الملك عند الرجل الأول بل امتد إلى أبنائه، وأبناء أبنائه، جيلاً بعد جيل.
كان يولد الطفل، فيجد رزقه قد سبق ولادته ويكبر فيجد الأرض قد مُهدت له
ويتعثر، فيجد من يرفعه ويخطئ، فيجد باب العفو مفتوحًا وكان الملك يعلم أنهم سيقصرون
ومع ذلك…
لم يمنع عنهم عطاياه.
لكن شيئًا غريبًا بدأ يحدث مع مرور الزمن.
الأحفاد لم يعيشوا فقدان المملكة الأولى لذلك لم يعرفوا قيمة ما بقي بأيديهم.
صاروا ينظرون إلى ما مُنعوا منه اكثر مما ينظرون إلى ما أُعطوه.
إذا امتلأت موائدهم…
قالوا: لماذا ينقصها طبق واحد؟
وإذا فُتحت لهم مئة طريق وقفوا يبكون عند الطريق الذي أُغلق.
إذا نجاهم الملك من عشر مصائب تعلقوا بالمصيبة الحادية عشرة، وكأنهم لم يعرفوا نعمة قط.
بل إن بعضهم…
كان إذا عصى قوانين المملكة، ثم أصابه أثر معصيته…
وقف يلوم الملك.
ولم يسأل نفسه يومًا:
“هل كنت أنا سبب ما حدث؟”
وكان الملك…
في كل مرة يفتح باب العودة من جديد.
ويرسل رسولًا بعد رسول
ويذكرهم بما نسوا ويقول لهم، بطرق مختلفة:
“عودوا… فما زال لكم عندي مكان.”
لكن أكثرهم…
لم يعودوا يرون إلا ما فقدوه.
ونسوا أن الذي بقي بين أيديهم اعظم بكثير مما ضاع …
والان…
أريد أن أخبرك بحقيقة ربما اكتشفتها منذ السطر الأول، وربما لم تكتشفها إلا الآن.
هذا الملك لم يكن ملكًا من ملوك الدنيا كان ولازال الله سبحانه وتعالى
أما أول رجلٍ في الحاشية
فهو أبونا آدم عليه السلام، الذي أكرمه الله، فزلَّ بعد أن خدعه إبليس، ثم تاب إلى ربه، فتاب الله عليه.
وأما ذلك الغريب فلم يكن رجلًا عابرًا.
كان إبليس.
لم يأمر آدم بالهلاك، بل زيّن له الطريق إليه، وأخفى عنه الثمن، كما يفعل معنا كل يوم.
وأما الحاشية…
فلم تكن شخصيات من خيال.
الحاشية… نحن.
نحن الذين نعيش في ملك الله منذ أن وُلدنا.
نأكل من رزقه.
ونشرب من رزقه.
ونتنفس هواءه.
ونمشي على أرضه.
ونستيقظ كل صباح بقلوب تنبض دون أن ندفع ثمن نبضة واحدة.
ثم إذا تأخر عنا شيء واحد نسينا كل ما أعطانا الله.
وإذا أصابتنا مصيبة
سألنا: لماذا أنا؟
ونسينا آلاف المرات التي نجانا فيها ولم نشعر.
ورغم ذلك كله لا يغلق الله باب التوبة ولا يمنع عنا رزقه ولا يعاملنا بما نستحق
بل يفتح لنا باب العودة في كل يوم، وينادينا في كل صلاة، وفي كل دعاء، وفي كل استغفار.
لهذا لم تكن هذه قصة عن مملكة…
بل كانت قصة حياتنا منذ أن خرج أبونا آدم من الجنة، وما زلنا نعيش فصولها إلى اليوم
