بعد فترة من الفهم والإدراك، ستكتشف أنك لست وحدك، وأن ما كنت تظنه وحدةً ربما كان بحثًا عن قدوةٍ حسنة تتشبث بها، وتمضي على خطاها، حتى تتعلم كيف تمضي في الطريق وحدك.
ستدرك أن دموعك ليست شيئًا مباحًا لكل عابر؛ إنها لؤلؤ، لا ينبغي لأيٍّ كان أن يصطاده. ورب العالمين وحده قادر أن يجمعها، ويصنع منها قلادةً تتقلد بها صبرًا ووقارًا، حتى يأتي اليوم الذي يرضيك فيه عن كل ما أبكاك.
وستفهم أن حزنك ليس دائمًا عقوبة، بل قد يكون مرحلة صلبٍ روحي؛ مرحلة تُنزَع فيها عنك شهوات الجسد، وتعلّقات الروح، وكل ما ظننته يومًا جزءًا لا يتجزأ منك، حتى تتخفف منه وتخرج إنسانًا أكثر صفاءً.
وأن ضيق صدرك الذي يؤلمك أحيانًا، قد يكون محاولةً منك لالتقاط أنفاسك، والخروج من مرحلة الصلب تلك، حتى تستعيد نفسك من جديد.
أما تلك اليد الخفية التي تطبطب عليك وأنت نائم، حين لا يراك أحد ولا تستطيع أنت حتى أن تشرح ما يؤلمك، فلعلها رحمةٌ يرسلها الله إليك؛ نسمةً خفيةً تمر على روحك، حتى تستيقظ في الصباح قادرًا على مجابهة نفسك، ويومك، وكل ما أنت عليه.
وتذكر أن ما أنت عليه الآن ليس بالضرورة هويتك، ولا هو الصورة النهائية لك. ربما هو فقط مرحلةٌ تصنع منك الإنسان الذي تريد أن تكونه.
فأحيانًا، لا يأخذ الله منا الأشياء لأننا لا نستحقها، ولا يغلق الأبواب لأننا أخطأنا الطريق، بل لأن بعض الأبواب لو بقيت مفتوحة لبقينا نحن كما نحن.
هناك أشياء نتشبث بها لأننا نعتقد أن نجاتنا معلقة بها، ثم نكتشف بعد سنوات أن نجاتنا كانت في أن نتركها. وأشخاص نظن أن وجودهم هو الأمان، ثم نتعلم أن الأمان الحقيقي لا ينبغي أن يكون معلقًا على قلب بشر.
وربما لهذا السبب تأتي بعض الخسارات ثقيلة إلى هذا الحد؛ لأنها لا تأخذ منا شيئًا فقط، بل تأخذ معها نسخةً كاملةً من أنفسنا كنا نعيش بها.
وفي تلك الفترة، ستظن أن الله يتركك، بينما هو في الحقيقة يعيدك إلى نفسك.
سيتركك قليلًا مع صمتك، مع أسئلتك، مع ضعفك، ومع الأشياء التي كنت تهرب منها بالانشغال بالآخرين. ليس ليعذبك، وإنما حتى تتعرف إلى نفسك بعيدًا عن كل ما كنت تستمد منه قيمتك.
ستتعلم أن ليس كل تأخير حرمانًا، وليس كل فقدان شرًا، وليس كل بابٍ أُغلق في وجهك نهايةً للطريق.
بعض النهايات هي الطريقة التي يقول بها الله لك: «هذا الطريق لم يعد لك».
وبعض الانتظارات ليست لتأخذ ما تنتظره، وإنما لتتعلم الصبر أثناء الانتظار.
وبعض الأمنيات قد لا تتحقق بالصورة التي رسمتها في خيالك، لكنها تترك فيك إنسانًا جديدًا لم تكن لتصبحه لولا أنك تمنيتها.
لذلك لا تستعجل الخروج من المرحلة التي أنت فيها.
ربما أنت الآن في منتصف القصة، ولهذا تبدو لك الأحداث بلا معنى.
فالإنسان حين يعيش الألم لا يرى الحكمة منه، كما أن يوسف عليه السلام لم يكن يعلم، وهو في البئر، أن الطريق الذي ظنه نهايةً سيقوده إلى ما هو أعظم مما تخيل.
قد لا تفهم اليوم لماذا تأخر الأمر، ولماذا رحل شخص، ولماذا لم تُفتح لك فرصة، ولماذا اضطُررت أن تبدأ من جديد.
لكن ربما ستنظر إلى كل ذلك يومًا، وتقول: الآن فهمت.
فالله لا يعدنا بأن الطريق سيكون سهلًا، لكنه يفتح لنا في كل مرحلة بابًا من الفهم لم نكن نملكه قبلها.
حتى تصل إلى اللحظة التي لا تعود فيها تسأل: «لماذا حدث هذا لي؟»
بل تقول بهدوء: «ماذا أراد الله أن يعلمني من خلاله؟»
وهنا يبدأ النضج الحقيقي.
حين لا تعود تبحث عن شخصٍ ينقذك، ولا عن شيءٍ يثبت لك أنك بخير، ولا عن إجابةٍ لكل سؤال، لأنك تعلمت أن بعض الأسئلة لا تُجاب بالكلمات، وإنما بالسنوات.
وحينها ستفهم أن ما أنت عليه اليوم ليس هويتك النهائية؛ إنه فقط مرحلة من مراحل تشكّلك.
فالذهب لا يصبح ذهبًا لأنه لم يُمسّ بالنار، وإنما لأنه بقي ذهبًا رغم النار.
والإنسان كذلك؛ قد تحرقه التجارب، وتكسره الخيبات، وتُثقله الأيام، لكنه يخرج منها شيئًا آخر إذا أحسن فهمها.
وربما لهذا جاء قوله تعالى:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾
فربما لم تكن كل تلك المراحل لتكسرك، بل لتبلغ أشدّك.
لتصبح أكثر حكمة، وأكثر بصيرة، وأقل تعلقًا بما يفنى، وأكثر تعلقًا بمن لا يفنى.
وربما حين تصل إلى هناك، ستكتشف أن الله لم يكن غائبًا عنك في أكثر أيامك وحدةً؛ بل كان أقرب إليك مما كنت تظن.
فكل تلك الدموع، وكل ذلك الصبر، وكل ليلةٍ ظننت أنك لن تستطيع تجاوزها، كانت تصنع منك شيئًا لم تكن تراه وأنت في قلب الألم.
حتى يأتي يومٌ تنظر فيه إلى نفسك القديمة، وتبتسم لها بحنان، وتقول:
«لم تكن ضعيفًا… كنت فقط في مرحلةٍ كنت تتعلم فيها كيف تصبح أنت.»

ة
