
منذ سنوات، لو سألني أحد: ما الذي يجعل الإنسان غنيًا أو فقيرًا؟
لكان جوابي بسيطًا…
الوظيفة، الراتب، التجارة، وربما الحظ.
لم أكن أتخيل أن هناك من سيجلس أمامي يومًا ويقول:
“هناك عادات تجلب الغنى، وهناك عادات تجلب الفقر.”
استغربت كثيرًا.
قلت في نفسي: وكيف لعادة أن تغيّر رزق إنسان؟
ظننت أنه سيتحدث عن الادخار، أو الاستثمار، أو العمل لساعات أطول.
لكنني فوجئت أن حديثه كان مختلفًا تمامًا.
بدأ يذكر عادات لم أكن أربطها بالرزق أصلًا…
عادات نمارسها كل يوم، وقد لا نشعر بأثرها إلا بعد سنوات.
في ذلك اليوم لم أصدقه بالكامل…
لكن الفضول دفعني لأن أبحث، وأقرأ، وأراقب نفسي.
ومع مرور الوقت، اكتشفت أن بعض ما قاله لم يكن مجرد كلام، بل أشياء رأيت أثرها في حياتي أنا شخصيًا.
في هذا المقال لن أكتب ما قرأته فقط بل ما تعلمته .
بعد ذلك الحديث، لم أشعر بالحاجة إلى البحث في كلام الناس، ولا إلى قراءة عشرات الكتب عن النجاح أو الثراء. كان في داخلي سؤال واحد:
هل ما سمعته له أصل في ديننا؟
فتحت القرآن، وبدأت أقرأ الآيات التي تتحدث عن الرزق والبركة، وأتأملها بهدوء. ثم انتقلت إلى سيرة النبي ﷺ، أبحث كيف كان يتعامل مع المال، وكيف كان ينفق، وكيف كان يربي أصحابه على الثقة بالله.
شيئًا فشيئًا، بدأت أكتشف أن القرآن لا يتحدث عن الرزق باعتباره مالًا فقط، بل باعتباره علاقة بين العبد وربه، وأن هناك قواعد ثابتة إذا عاشها الإنسان، امتلأ قلبه يقينًا قبل أن تمتلئ يده مالًا.
كانت أول آية استوقفتني قول الله تعالى:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
(سورة الطلاق: 2-3).
وقفت عند قوله: “من حيث لا يحتسب”.
كم مرة كنت أحدد في عقلي من أين يجب أن يأتي رزقي؟
كم مرة كنت أظن أن الفرصة الوحيدة هي وظيفة معينة أو مكان معين؟
منذ ذلك اليوم، قررت ألا أرفض أي فرصة عمل شريفة ييسرها الله لي، حتى لو لم تكن هي التي رسمتها في خيالي.
لأنني أدركت أنني أنا من أطلب الرزق… فلا يليق بي أن أشترط على الله الطريق الذي يرسله به.
المهم أن يكون رزقًا حلالًا.
ثم وجدت آية أخرى هزتني من الداخل:
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا﴾
(سورة البقرة: 268).
فبدأت أنتبه إلى شيء كنت أفعله دون أن أشعر…
كنت أردد كثيرًا: “ما عندي.”
حتى عندما تكون عندي نعم كثيرة، كنت أركز على ما ينقصني.
ثم سألت نفسي:
كيف أقول “ما عندي”، وأنا أتنفس، وألبس، وآكل، وأمشي، وكل ما حولي من رزق الله؟
أدركت أن كثرة التذمر لا تصنع رزقًا، وأن الاعتراف بالنعم باب من أبواب شكر الله.
وتذكرت قول الله تعالى:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
(سورة إبراهيم: 7).
ومن أكثر الآيات التي تعلمت منها التوازن قوله تعالى:
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾
(سورة الإسراء: 29).
وعندما قرأت سيرة النبي ﷺ، وجدت أن كرمه لم يكن مرتبطًا بكثرة ما يملك، بل بعظمة ثقته بالله، وأنه كان يعطي ابتغاء وجه الله، ويحث على الإحسان والصدقة، مع الأخذ بالأسباب وعدم الإسراف.
وهناك موقف لن أنساه ما حييت.
كنت عائدة من عملي في أحد أيام الشتاء.
لم يكن معي أي مبلغ من المال.
وأثناء طريقي، رأيت طفلًا صغيرًا يقف في البرد، يرتجف من شدة البرد، وملابسه لا تكاد تقيه شيئًا.
تمنيت لو أشتري له طعامًا أو أساعده بالمال… لكن لم يكن في جيبي دينار واحد.
وقفت للحظة، وشعرت بالخجل.
ليس من الطفل…
بل من الله.
نظرت إلى نفسي، وكان كل ما أملكه في تلك اللحظة هو معطفي الشتوي.
فخلعته وأعطيته للطفل.
وفي داخلي كنت أردد:
يا رب… أنا لا أقول إن ليس عندي، لأن حتى هذا المعطف رزق منك. وإن كنت قد رزقتني ما أستر به نفسي، فأنت قادر أن ترزقني غيره. ارزقني أكثر، لا لأجمع المال، بل لأكون سببًا في إدخال الفرح على قلوب المحتاجين.
لا أستطيع أن أقول إن ما حدث بعد ذلك كان بسبب هذا الموقف وحده.
لكنني أستطيع أن أقول بصدق إن تلك اللحظة غيّرت شيئًا في داخلي.
أصبحت أنظر إلى الرزق بطريقة مختلفة.
لم أعد أخاف منه كما كنت.
لأنني أدركت أن الذي خلقني من نطفة، ورباني حتى هذه اللحظة دون أن أسأله كيف، لم يكلني يومًا إلى نفسي، ولن ينسى رزقي غدًا.
ومنذ ذلك الوقت، لم أعد أسأل: “من أين سيأتي الرزق؟”
بل أصبحت أسأل:
“هل أنا أسير في الطريق الذي يرضي الله، وأحسن الظن بوعده؟”
وهناك موقف اخر حدث معي
كنت في بداية عملي، ولم يمضِ على تعييني سوى أسبوعين، لذلك لم أكن قد استلمت راتبي بعد.
في ذلك اليوم، لم يكن في جيبي سوى خمسة آلاف دينار عراقي.
وكان هذا المبلغ بالنسبة لي ليس فائضًا عن حاجتي، بل كل ما أملك للعودة إلى منزلي، الذي يبعد عن مكان عملي قرابة أربعين كيلومترًا.
عندما انتهى الدوام، خرجت من الردهة، فوجدت رجلًا كبيرًا في السن يقف وحده، وكان بحاجة إلى أجرة الطريق ليعود إلى منزله.
وقفت للحظات…
ثم نظرت إلى ما في يدي.
لم يكن عندي إلا ذلك المبلغ.
دار في ذهني سؤال واحد:
إذا أعطيته ما أملك… كيف سأعود أنا؟
لكن السؤال لم يبقَ طويلًا.
أعطيته المال كله، ولم أسأله أن يعيده، ولم أفكر كثيرًا فيما سيحدث بعد ذلك.
كل ما كنت أشعر به هو راحة غريبة، وكأن قلبي كان مطمئنًا أن الله لن يضيعني.
عدت إلى الردهة، وبعد وقت قصير، رن هاتفي.
كان المسؤول عن القسم.
قال لي: “قررنا أن نمنحك مخصصات بقيمة خمسة وثلاثين ألف دينار.”
أغلقت الهاتف، وجلست صامتة.
لم أفكر في قيمة المبلغ…
بل تذكرت مباشرة قول الله تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ۚ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
(سورة البقرة: 261).
في تلك اللحظة، لم أقل إن هذه الآية تحققت بهذه الصورة لأنني تصدقت.
لكنني شعرت أن الله كان يربيني على معنى كنت قد بدأته أتعلمه من القرآن:
أن ما يخرج من يدك لله، لا يضيع عند الله.
ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أنظر إلى الصدقة على أنها نقص في المال.
بل أصبحت أراها إعلانًا صامتًا عن ثقتي بأن رزقي عند الله، لا فيما أحتفظ به في جيبي .
بعد كل ما قرأته، لا أطلب منك أن تصدق تجربتي، ولا أن تبني حياتك على قصة مررت بها.
كل ما أتمناه هو أن تعود إلى القرآن، وأن تقرأ آيات الرزق بعين مختلفة.
لقد أدركت أن الرزق ليس مجرد أرقام في حساب بنكي، ولا وظيفة، ولا راتب، ولا تجارة.
الرزق له قواعد قبل أن تكون له حسابات.
قواعد تبدأ بالتقوى، وحسن الظن بالله، والكرم، والشكر، وترك السخرية والانتقاص من نعم الآخرين، وعدم الاستسلام للخوف الذي يزرعه الشيطان في القلب.
قد نتقن الحسابات، ونخطط لكل خطوة، لكننا ننسى القواعد التي وضعها خالق الرزق نفسه.
وربما لهذا السبب، يبذل شخصان الجهد نفسه، ويملكان المؤهلات نفسها، ثم تجد البركة في حياة أحدهما أكثر من الآخر.
لا لأن الله يفرق بين عباده ظلمًا، وإنما لأن للحياة سننًا، وللرزق أبوابًا فتحها الله لعباده، وأرشدهم إليها في كتابه، وطبقها رسول الله ﷺ في حياته.
تعلمت من هذه الرحلة أنني إذا أردت أن أطلب الرزق، فلا يكفي أن أسأل: “كم سأربح؟”
بل يجب أن أسأل أولًا: “هل أسير وفق القواعد التي وضعها الله للرزق؟”
لأن الرزق… ليس حسابات رياضية فقط، بل هو طاعة، ويقين، وبركة، وثقة بالله قبل كل شيء.
“قد تتقن طرق كسب المال، لكن إن جهلت قواعد الرزق التي علمنا الله إياها، فقد تمتلك المال… وتفقد بركته.”

مبدعة كالعادة كلماتك